ما الذي تغيّر فعلًا؟
قبل سنوات فقط…
كان مجرد اقتراب أي جماعة إسلامية من السلطة
يُعتبر كابوسًا بالنسبة للغرب.
كانت العناوين واضحة:
- “التطرف”
- “الإرهاب”
- “الخطر على الاستقرار”
- “تهديد المصالح الدولية”
لكن اليوم…
يبدو المشهد مختلفًا تمامًا.
الرجل الذي كان يُصنف يومًا
ضمن أكثر الأسماء إثارة للجدل…
يجلس اليوم
في قلب المشهد السوري الجديد.
والأكثر غرابة؟
أن القوى الكبرى نفسها
لم تعد تتعامل معه
باللغة القديمة ذاتها.
وهنا يبدأ السؤال الحقيقي:
هل تغيّر الإسلاميون فعلًا؟
أم أن العالم نفسه
أعاد تعريف ما يعتبره “خطرًا”؟
السياسة لا تعمل بالعواطف
أكبر خطأ يقع فيه الناس
حين يقرؤون السياسة الدولية…
أنهم يظنون
أن الدول تتحرك:
- بالمبادئ
- أو بالمشاعر
- أو بالمواقف الأخلاقية الثابتة
لكن الواقع غالبًا أكثر برودة من ذلك.
الدول العظمى
لا تسأل دائمًا:
“من نحب؟”
بل تسأل:
“من يمكن التعامل معه؟”
و:
“ما النموذج الأقل تكلفة وخطرًا؟”
وهنا تحديدًا…
قد نفهم جزءًا مما حدث في سوريا.
هل فشلت الحرب على الإسلاميين؟
على مدار أكثر من عشرين عامًا،
خاضت الولايات المتحدة
أطول وأعقد حروبها
ضد الجماعات الإسلامية المسلحة.
من أفغانستان…
إلى العراق…
إلى الحرب العالمية على الإرهاب…
كانت الفكرة الأساسية واضحة:
منع صعود الإسلاميين إلى السلطة.
لكن بعد كل هذه السنوات،
ماذا كانت النتيجة؟
طالبان عادت إلى الحكم.
والجماعات الإسلامية
لم تختفِ كما كان متوقعًا.
بل في بعض الأماكن…
أصبحت أكثر قدرة على:
- التكيّف
- إعادة تشكيل نفسها
- والدخول في أشكال سياسية جديدة
وهنا…
ربما بدأت بعض الدول
تعيد التفكير في السؤال كله.
ليس:
“كيف نقضي عليهم؟”
بل:
“كيف نتعامل مع الواقع الجديد؟”
النموذج التركي… وتغيّر الحسابات
خلال السنوات الماضية،
برز نموذج مختلف في المنطقة.
نموذج:
- إسلامي الهوية
- لكنه براغماتي سياسيًا
- ويتعامل مع الغرب
- ويدخل في تحالفات معقدة
- دون الدخول في مواجهة شاملة معه
هذا النموذج…
حتى مع الخلافات الكبيرة حوله،
أثبت شيئًا مهمًا:
أن الإسلام السياسي
ليس كتلة واحدة.
وأن بعض النماذج
يمكن احتواؤها…
أو التفاهم معها…
أكثر من غيرها.
وهنا…
قد تكون الحسابات الدولية
بدأت تتغيّر فعلًا.
أحمد الشرع… اللغز الذي أربك الجميع
ربما لهذا السبب تحديدًا،
أصبح النموذج السوري الجديد
محيرًا جدًا للجميع.
ليس فقط للشعوب…
بل حتى للدول نفسها.
الرجل الذي:
- مرّ بتجارب متعددة
- وتنقل بين تنظيمات مختلفة
- ثم انفصل عنها
- ثم أعاد تشكيل مشروعه بالكامل
وصل في النهاية
إلى موقع
لم يكن أحد يتوقعه قبل سنوات.
وهنا ظهرت المفارقة الكبرى:
الدول التي كانت تصفه سابقًا
بلغة مختلفة تمامًا…
أصبحت اليوم
تتعامل معه
بوصفه جزءًا من واقع جديد.
لماذا يخاف الجميع؟
الشيء اللافت…
أن الجميع تقريبًا يبدو قلقًا من النموذج الجديد.
إسرائيل تخاف.
بعض الدول العربية تخاف.
حتى جزء من السوريين أنفسهم
لا يعرفون بدقة:
من يكون هذا المشروع فعلًا؟
هل هو:
- سلفي؟
- إخواني؟
- براغماتي؟
- أم مجرد نسخة جديدة
تتكيف مع الواقع؟
لا أحد يملك جوابًا كاملًا.
وربما…
هذا جزء من قوته.
العالم تعب من الفوضى
بعد سنوات طويلة من:
- الحروب
- الانهيارات
- الجماعات المسلحة
- والدمار الاقتصادي
يبدو أن الأولوية الدولية تغيّرت.
لم يعد السؤال الأساسي:
“من يحمل الشعار المثالي؟”
بل:
“من يستطيع منع الانهيار الكامل؟”
وهنا…
أصبح الاستقرار
أهم من كثير من الشعارات القديمة.
حتى لو كان هذا الاستقرار
يأتي عبر نماذج
لم تكن مقبولة سابقًا.
سقوط الأسد… لم يكن حدثًا محليًا فقط
الكثيرون يقرأون ما حدث في سوريا
وكأنه انتصار طرف واحد فقط.
لكن الواقع غالبًا أعقد من ذلك.
الأنظمة لا تسقط بهذه السرعة
بعد سنوات طويلة من الحرب…
إلا عندما تتقاطع مصالح دولية ضخمة.
وهذا ما يجعل المشهد السوري الحالي
أكثر تعقيدًا مما يبدو.
ربما لم يكن السؤال:
“من يريد إسقاط الأسد فقط؟”
بل:
“ما الشكل الجديد الذي يمكن أن تعيش معه المنطقة؟”
العالم لا يبحث عن الأصدقاء
بل عن التوازن
وهذه نقطة مفصلية جدًا.
الدول الكبرى
لا تبحث دائمًا عن:
- الحليف المثالي
- أو النموذج الذي تحبه فعلًا
بل عن:
- التوازن
- تقليل الخسائر
- ومنع الفوضى من الانفجار
ولهذا…
قد تدعم في مرحلة ما
أطرافًا كانت ترفضها سابقًا.
ليس حبًا بها…
بل لأن البدائل الأخرى
تبدو أخطر.
هل تغيّر العالم… أم تغيّرت اللغة فقط؟
ربما السؤال الأعمق هنا:
هل العالم فعلًا
أعاد النظر في موقفه من الإسلاميين؟
أم أنه فقط
أعاد تعريف:
- من هو “المقبول”
- ومن هو “الخطر”
وفقًا للمصالح الجديدة؟
لا أحد يعرف الإجابة الكاملة بعد.
لكن الواضح…
أن المنطقة كلها
دخلت مرحلة مختلفة تمامًا.
مرحلة:
لا تُدار بالشعارات القديمة وحدها.
الخاتمة
ما يحدث في سوريا اليوم…
ليس مجرد تغيير سلطة.
بل إعادة تشكيل
لفكرة:
- من يحكم
- ومن يُقبل دوليًا
- وكيف تُدار المنطقة بعد سنوات الفوضى
ولهذا…
ربما لم يعد السؤال الحقيقي:
“من انتصر؟”
بل:
“أي نموذج قرر العالم
أنه الأقل خطرًا في المرحلة القادمة؟”

